الغزالي

149

إحياء علوم الدين

والمودة ، فتقتضي التناسب والتواد . وإذا كان على مقابلته أو تربيعه ، اقتضى التباغض والعداوة . فهذا لو صدق بكونه كذلك في مجاري سنة الله في خلق السماوات والأرض لكان الإشكال فيه أكثر من الإشكال في أصل التناسب . فلا معنى للخوض فيما لم يكشف سره للبشر ، فما أوتينا من العلم إلا قليلا . ويكفينا في التصديق بذلك التجربة والمشاهدة فقد ورد الخبر به ، قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « لو أنّ مؤمنا دخل إلى مجلس فيه مائة منافق ومؤمن واحد لجاء حتّى يجلس إليه ، ولو أنّ منافقا دخل إلى مجلس فيه مائة مؤمن ومنافق واحد لجاء حتّى يجلس إليه » وهذا يدل على أن شبه الشيء منجذب إليه بالطبع ، وإن كان هو لا يشعر به . وكان مالك بن دينار يقول : لا يتفق اثنان في عشرة إلا وفي أحدهما وصف من الآخر . وإن أجناس الناس كأجناس الطير ، ولا يتفق نوعان من الطير في الطيران إلا وبينهما مناسبة . قال فرأى يوما غرابا مع حمامة ، فعجب من ذلك فقال اتفقا وليسا من شكل واحد ! ثم طارا ، فإذا هما أعرجان ، فقال من هاهنا اتفقا . ولذلك قال بعض الحكماء . كل إنسان يأنس إلى شكله ، كما أن كل طير يطير مع جنسه . وإذا اصطحب اثنان برهة من زمان ، ولم يتشاكلا في الحال ، فلا بد أن يفترقا . وهذا معنى خفي تفطن له الشعراء حتى قال قائلهم وقائل كيف تفارقتما فقلت قولا فيه إنصاف لم يك من شكلى ففارقته والناس أشكال وألاف فقد ظهر من هذا أن الإنسان قد يحب لذاته ، لا لفائدة تنال منه في حال أو مآل ، بل المجرد المجانسة والمناسبة في الطباع الباطنة ، والأخلاق الخفية . ويدخل في هذا القسم الحب للجمال ، إذا لم يكن المقصود قضاء الشهوة . فإن الصور الجميلة مستلذة في عينها ، وإن قدّر فقد أصل الشهوة ، حتى يستلذ النظر إلى الفواكه والأنوار والأزهار ، والتفاح المشرب بالحمرة ، وإلى الماء الجاري والخضرة ، من غير غرض سوي عينها . وهذا الحب لا يدخل فيه الحب لله ، بل هو حب بالطبع وشهوة النفس . ويتصور ذلك ممن لا يؤمن باللَّه . إلا أنه